ابن ميثم البحراني

81

شرح نهج البلاغة

ولا يأكل اللحم إلَّا نادرا أو كان يقول : لا تجعلوا بطونكم مقبرة للحيوان ويقصد بذلك التنفير عنه وكلّ ذلك زهادة في الدنيا ولذّاتها ، وثالثها الشجاعة وهى الملكة الحاصلة للنفس عن اعتدال القوّة الغضبيّة بحسب تصريف العقل فيما يضبطه لها ، وبها تصدر الأفعال المتوسّطة بين أفعال الجبن والتهوّر ، وثبوت هذه الفضيلة له عليه السّلام معلوم بالتواتر حتّى صارت شجاعته يضرب بها المثل مبالغة في حقّ الرجل الشجاع ، وإذا عرفت أنّ هذه الملكات الثلاث ثابتة له كأتمّ ما يمكن وثبت أنّها مستلزمة لفضيلة العدالة ثبت أنّ فضيلة العدالة ثابتة له ، وأمّا باقي أقسام الحكمة العمليّة كالحكمة السياسيّة والمنزليّة فقد علمت أنّ فائدتهما أن يعلم الإنسان وجه المشاركة الَّتي ينبغي أن تكون من أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الأبدان ونظام مصالح المنزل والمدينة ، وقد كان عليه السّلام في ذلك سبّاق غايات وصاحب آيات ، ويكفيك في معرفة ذلك منه أمّا على سبيل الجملة فلأنّ الشريعة المصطفويّة سلام اللَّه على شارعها واردة بمقاصدها بين الحكمتين على أتمّ الوجوه وأكملها بحيث يرجع أكابر الحكماء إليها في تعلَّمها ، ومعلوم أنّ عليّا عليه السّلام كان متمسّكا ومقرّرا لها وباسطا لأحكامها الكليّة ومفصّلا لإشاراتها الجمليّة لم يغيّر منها حرفا ولم يقف فيها دون غاية وذلك يستلزم ثبوتهما له على أكمل وجه وأتمّه ، وأمّا على سبيل التفصيل فعليك في معرفة أنّه كان أكمل الخلق بعد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في هذا العلم بمطالعة كتبه وعهوده إلى عمّاله وولاته وأمرائه وقضاته خصوصا العهد الَّذي كتبه للأشتر النخعي فإنّ فيه من لطائف تدبير أمر المدنية ونظام أحوال الخلق ما لا يهتدي لحسنه ولا يوجد عليه مزيد في هذا الباب هذا ، مع ما تواتر من رجوع أكابر الصحابة المعترف بحسن تدبيرهم وإيالتهم إلى استشارته في أمورهم وتعرّف كيفيّة تدبير العساكر والحروب والمصالح الكلَّيّة والجزئيّة منه في مواضع كثيرة تعلمها في هذا الكتاب وفي غيره كرجوع عمر إلى رأيه في الخروج مع المسلمين إلى غز والروم ، وغير ذلك مما هو مشهور مأثور وما أشار عليهم به من الآراء الكافلة بحسن التدبير والإيالة الوافية بنظام الحركات المدنيّة كما ستعلم إنشاء اللَّه تعالى وباللَّه التوفيق . الفصل الثالث في صدور الكرامات عنه وفيه بحثان .